لقد كان المزمور التسعون دائمًا من بين المزامير الأكثر تفضيلًا لدى المسيحيّين، هي حقيقة تتجلّى بوضوح لكونه المزمور الافتتاحيّ لخدمة الجنّاز في الكنيسة الأرثوذكسيّة، عبر مرافقة النفس المؤمنة بالغبطة في «السبيل الذي تسير فيه».
هو أيضًا واحدٌ من المزامير القليلة التي وقع اختيار جميع المسيحيّين عليها في العصور القديمة من أجل الصلوات اليوميّة. على ذلك، ظهر المسيحيّون أقلّ يقينًا بشأن أيّ وقت من اليوم يجب أن يُصلّى فيه المزمور، ذلك بأنَّ فيه إشارات متناقضة لفترات من اليوم، كالليل والظهيرة: «فلا تخش من هَول الَليل، ولا من سَهمٍ يطيرُ في النهار، ولا من أمرٍ يَسري في الظَلام، ولا من وقعةِ وشيطانٍ تصادفهُ عند الظَهيرة».
بسبب الإشارات فيه إلى ضوء النهار والظهيرة، اختاره المسيحيّون في الشرق لصلاة الساعة السادسة (١٢ ظهرًا)، وهو التقليد السائد حتَّى اليوم. وفق القديس يوحنّا كاسيان (مطلع القرن الخامس)، فهم بعض الشيوخ الرهبان أنَّ «شيطان نصف النهار» هو نوع من إغراء خاصّ بالتعب والاكتئاب الروحيّ، أي ذلك اليأس الغامض المرافق لانهيار القلب المعروف جيّدًا في الأدب النسكيّ. أو، بكلام آخر، هو الإحساس بالـ«متروكيّة» (التعبير للمطران جاورجيوس خضر). نصلّي هذا المزمور في الساعة السادسة لنذكر أنّه، مع أنّ السيّد (مرذولًا، متروكًا ووحيدًا) يموت معلّقًا على الصليب في هذه الساعة، غير أنّه سينتصر وسيدوس إبليس الحيّة القديمة. من هذه الزاوية، قد ينفع المؤمن، في إطار المحنة الحاضرة التي تُلقي بثقلها على لبنان، أن يتشدّد قلبه ويتيقّن أنّه لن يبقى متروكًا ومرذولًا وعلى صليب التجربة وحيدًا، لأنّ المزمور يدعوه الى «السُكنى» في «عون العليّ» والى الإقامة في «سِتر إله السماء». هكذا نلحظ، في المزمور، عناية خاصّة من الله وحماية لأولاده المؤمنين به والمتّكلين عليه.
من ناحية أخرى، تأثّر المسيحيّون في الغرب أكثر بإشارة المزمور إلى الليل والظلام، واختاروه لصلاة النوم اليوميّة لديهم. مع ذلك، وفي الحالتين، يلاحظ المرء الاقتناع الراسخ بأنّ لهذا المزمور علاقة بالحماية الإلهيّة من «الهجوم الشيطانيّ»، حيث يتكلّم على الخلاص من أنواع عدّة من الشياطين: «شيطان الظهيرة»، والـ«أمر» الذي يسري في الظَلام، و«الشرّ» الذي لن يداهمك، و«الضربة» التي لن تدنو من مسكنك، لكي يطأ (المؤمن) «الأفعى والثعبان»، ويدوس «الأسد والتنّين».
في ما يتعلّق بالشياطين، يؤكّد القدّيس يوحنّا كاسيان، أنّه يكاد لا يكون هناك نهاية لتنوّعها: «تنوّعها سيستغرق وقتًا طويلًا إذا أردنا البحث في جميع الكتب والمراجع المقدّسة وتصفّحها بشكل فرديّ»… لذا، يكون الاعتداء الشيطانيّ على حياتنا متعدّد الأوجه. لذا يقول المزمور «ألوفٌ يسقطون عن يسارك وربواتٌ عن يمينك». نتعلّم من خبرتنا مع التجربة، أنّها إلى حدّ كبير، على غرار خبرتنا مع النعمة الإلهيّة، من نسيج متباين معها. لذلك يجب أن تكون لدينا، بالمقابل، مجموعة متنوّعة لكيفيّة تعاملنا معها. يمدّنا المزمور بالحماية الإلهيّة (النِعَم) في الجهاد ضدّ كمّ هائل من التجارب «ألوفٌ وربوات».
ما من شكّ في أنّ الشياطين تهاجم أنفسنا بمجموعة كبيرة من الإغراءات والتجارب الموصوفة في الكتاب المقدّس برموز واستعارات متعدّدة. يشرح يوحنّا كاسيان: «يجب ألاَّ نعتقد أنّ هذه الأسماء تُعطى لها بالصدفة أو عشوائيًّا. لذلك نلجأ إلى استخدام أسماء الحيوانات البرّيّة، التي يُشار إلى ضراوتها وغضبها، لذلك يُطلَق على أحدها لقب أسد بسبب غضبه الوحشيّ وشدّته المتّقدة، وآخر يدعى أفعى بسبب السمّ القاتل الذي يقتل مباشرة، وآخر أيضًا كالقنفذ أو النعامة بسبب دهائه وخبثه».
دهاء؟ بطبيعة الحال. والمفارقة أيضًا بالنسبة إلى المزمور ٩٠، وكمثال واضح على الهجوم الشيطانيّ: هو المزمور الوحيد الذي استخدم إبليس إحدى آياته في تجربة السيّد: «إن كنت ابن الله فاطرح نفسك إلى أسفل، لأنّه مكتوب: أنّه يوصي ملائكته بك، فعلى أياديهم يحملونك كيلا تصدم بحجر رجلك» (متّى ٤: ٦)! لم يُكمل إبليس الآية التالية من المزمور لأنّ فيها نبوءة ضدّه، إذ سوف يدوسه المسيح فعلًا تحت قدميه: «تطأ الأفعى والثعبان وتدوس الأسد والتنّين». نذكر عند الساعة السادسة إذًا، مع أنّ السيّد معلّق على الصليب، غير أنّه سيدوس إبليس «الحيّة القديمة». نرى فيه انتصار المسيح على إبليس ومؤامراته، وإبليس كُنِّيَ هنا بأسماء عدّة، فهو الصيّاد الذي يضع فخًّا في طريق المؤمنين، ويأتي بالوباء الخطر (بل هو نفسه الوباء الخطر!)، وهو سهم يطير في النهار، وهو هول الليل، وهلاك يفسد في الظهيرة، وهو الأسد والصلّ والشبل والثعبان، ولكنّه مع هذا كلّه، قد سحق السيّد رأسه لأجل خلاصنا نحن (كنيسته).
هو مزمورٌ يعطي الطمأنينة لكلّ منَّا، وينزع عنّا كلّ خوف من أيّة مؤامرة شيطانيّة، ويعزّز الثقة بأنّ الله سيعطي نصرة لنا ولكنيسته. هو مزمورٌ يصلح إذًا للصلاة في كلّ آن.