لدينا في كلّ زمان ومكان، منذ بدء الخليقة، وسقوط الإنسان بالخطيئة، حاجة إلى التعاضد برجاء، إذ إنّ «كلّ الخليقة تئنّ وتتمخّض معًا إلى الآن» (رومية ٨: ٢٢). إنّ الأزمات الروحيّة والنفسيّة والمرضيّة والاقتصاديّة والمعيشيّة التي يعاني منها العالم بأسره تهدّد حياة الإنسان. الحاجة الاجتماعيّة تتفاقم يومًا بعد يوم لرعاية المحتاجين والأرامل والأيتام والسجناء والمدمنين والمحزونين والمظلومين والمضطهدين والمبعدين والمستغَلين وذوي الاحتياجات الخاصّة والمستعبَدين. «المسيحية هي أصلًا ديانة اجتماعيّة» (الأب جورج فلورفسكي)، «فالديانة الطاهرة، هي في افتقاد اليتامى والأرامل والغرباء» (يعقوب ١: ٢٧).
بدأ الربّ يسوع المسيح عمله البشاريّ بإعلان «برنامج» رعايته «الاجتماعيّة» كعلامة لظهور ملكوت الله على الأرض (أشعياء ٦١: ١-٢): «روح الربّ عليّ لأنّه مسحني لأبشّر المساكين، أرسلني لأشفي المنكسري القلوب، لأنادي للمأسورين بالإطلاق، وللعمي بالبصر، وأرسل المنسحقين في الحرّيّة وأكرز بسنة الربّ المقبولة» (لوقا ٤: ١٨-١٩). وملكوت الله هذا بدأ يظهر للعيان، إذ إنّ بتجسّد الربّ «العمي يبصرون والعرج يمشون والبرص يطهرون والصمّ يسمعون والموتى يقومون والمساكين يبشّرون» (أشعياء ٣٥: ٥-٦ ومتّى ١١: ٥). أتى المسيح، رأس الكنيسة، «لكي تكون لهم حياة ولتكون أفضل» (يوحنا ١٠: ١٠). وأيّة حياة يتكلّم عليها الربّ يسوع؟ إنّها «الحياة الأبديّة» (يوحنّا ٣: ١٦)، أي الحياة المنتصرة على الموت والمرض. كيف نعيش هذه الحياة؟ «وهذه هي الحياة الأبديّة أن يعرفوك أنت الإله الحقيقيّ وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته»، أي الحياة في المسيح، الحياة بمشيئة الله، الحياة الملتصقة بالربّ بنعمة الروح القدس. هذه الحياة تعاش في المجتمع، والعائلة، والكنيسة.
لا يوجد خلاص أو عدل أو خير أو فضيلة أو برّ أو صلاح إلّا ومصدره المسيح نفسه. يعطي الربّ يسوع بشخصه وكلمته وأفعاله صورة غير مسبوقة للمحبّة الحقيقيّة المطلوبة من كلّ مسيحيّ. فهو يشفي بمحبّة وحنان كبيرين وبرحمة عميقة. وتأخذ خدمة الشفاء عند الربّ يسوع موقع الارتكاز في رعايته. فهو كطبيب إلهيّ إنسانيّ يشفي الإنسان المريض، روحيًّا وجسديًّا. الشفاء هو المصالحة مع الله. كلّ من شفاهم الربّ يسوع في الأناجيل مرضوا لاحقًا، ثمّ ماتوا، فالهدف دائمًا ليس الشفاء الجسديّ فقط، بل المصالحة مع الله.
علّم أنّ الرحمة عمل تعاضديّ ليس مقتصرًا على فئة من الناس دون غيرهم، لا بل هو موجّه إلى جميع البشر، لأنّ المسيح أتى لخلاص الجنس البشريّ بأكمله، كما يظهر من حادثة شفاء ابنة المرأة الكنعانيّة مثلًا (متّى ١٥: ٢١-٢٨). أتى الربّ يسوع لخلاص العالم أجمع، ولكن أيضًا لخلاص كلّ إنسان بشكل شخصيّ. لذا، ترتبط محبّة لله بمحبّة القريب، «فالذي يحبُّ الله يحبُّ أخاه أيضًا»، ومن «يحبّ الله ويكره أخاه فهو كاذب» (1يوحنّا ٤: ٢٠-٢١). يحدّد علاقة البشر به عبر علاقتهم مع هؤلاء المنبوذين والمهمّشين في المجتمع إذ يقول: «كلّ ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار، فبي قد فعلتم» (متّى ٢٥:
٤٠). وقد دعا الربّ يسوع تلاميذه إلى التمثّل به إذ قال: «كونوا رحماء كما أنّ أباكم السماويّ رحيم» (لوقا ٦: ٣٦)، وأيضًا «أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم» (يوحنّا ١٣: ٢٤). فكما أنّ يسوع لم يأت ليُخدَم بل ليَخدُم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين (مرقس ١٠: ٤٥)، وأخذ صورة عبد (فيليبّي ٢: ٧) أي خادم في طاعة الآب من أجل خلاص العالم، هكذا المسيحيّ مدعوّ بمسحة الزيت التي نالها في معموديّته إلى أن يعمل أعمال المسيح،، متمثّلًا بمخلّصه، ومطيعًا للكلمة: يخدُم الآخر، نبويًّا، كعبد لله، مستخدمًا مواهب الله فيه، وكمعاونٍ لله (٢كورنثوس ٦: ١). إنّه، باختصار، كهنوته الملوكيّ.
الحياة في المسيح
التعاضد والرجاء في زمن الضيق