...

لنتقدّس الآن!

يُعتبرُ حزقيّا (٧٤٠-٦٨٧ ق.م) من أهمّ ملوك يهوذا (المملكة الجنوبيّة) ممّن حافظوا على إيمانهم بالربّ وأرسوا إصلاحًا دينيًّا. يرد خبر مُلكه على مدينة يهوذا في سفرَي الملوك الثاني والأخبار الثاني وفي سفر أشعياء النبيّ الذي كان صديقًا له. يقول عنه كاتب سفر الملوك إنّه لم يكن في جميع ملوك يهوذا ملكٌ مستقيم مثل حزقيّا (٢ملوك ١٨: ٥)، فقد اتّكل على الرّب إلهه ولم يحد عن ايمانه، رغم الأزمات والمحن الصعبة التي مرّت بها مملكة يهوذا في ذلك الوقت (٢ملوك ١٨: ٤-٦).

يذكر سفر الأخبار الثاني حدثين مهمّين يتعلّقان بملك حزقيّا وإصلاحاته وأمانته للربّ. جرى الحدث الأول في السنة الأولى من مُلكه السنة ٧١٥ ق.م.، حين كان شعب يهوذا يعاني من محنةٍ صعبة إذ قد هاجمهم الأشوريوّن وسقط الكثير منهم في الأسر والسبي، أيّام مُلْك آحاز والد حزقيّا (٢أخبار الأيّام ٢٩: ٦-٧). لم يرضَ الملك حزقيّا بالخضوع لملك أشور وعبادته مقابل سلام المملكة، بل أراد إعادة استقلال المملكة وإعادة العبادة الحقّ إلى الربّ القدّوس. فخاطب حزقيّا الكهنة واللاوييّن قائلًا: «تقدّسوا الآن وقدّسوا بيت الربّ» (٢أخبار الأيّام ٢٩: ٥). هنا بدأت مسيرة التوبة والعودة إلى الربّ والتماس العون منه لا من آلهة أخرى. أعاد حزقيّا فتح أبواب بيت الرّب ورمّمها بعد أن أغلقها أبوه آحاز، وأَدخل الكهنة ليطهّروا الهيكل ويخرجوا منه مظاهر العبادة الغريبة، وأمرهم بتقديم الذبائح تكفيرًا عن خطايا كلّ الشعب. بعد تطهير الهيكل وخدمة التكفير عاد الشعب إلى شعائر العبادة العاديّة الليتورجيّة، عندها استقامت خدمة بيت الربّ. بعد هذا، أَرسل حزقيّا إلى كلّ مدن يهوذا ودعاهم إلى المجيء إلى أورشليم ليقيموا فصحًا للربّ. اللافت هنا، أنّه دعا، بالإضافة إلى سكّان يهوذا، مَن بقي مِن سكّان إسرائيل الشماليّة التي أسقطها الأشوريوّن، لكي يشاركوهم في الفصح، فالتأم كلّ الشعب في أورشليم وعيّدوا الفصح.

نصل إلى الحدث الثاني: في السنة الرابعة عشرة من مُلْك حزقيّا السنة ٧٠١ ق.م، أي بعد مرور أربع عشرة سنة على عودة يهوذا إلى عبادة الإله الحقيقيّ، هاجم سنحاريب ملك أشور يهوذا وفتح مدنها، وأرسل رجاله إلى أورشليم ليُعلموا سكّانها بأنّ إله ملكهم حزقيّا لن ينقذهم من يديه. لم تبعد هذه الأحداث ملك يهوذا وشعبه عن إيمانهم، بل تأصّل إيمانهم بالربّ بشكلٍ أقوى، لذا صعد حزقيّا إلى بيت الربّ وصلّى وطلب إليه أن يخلّصهم من يد ملك أشور، لكي تعلم كلّ ممالك الأرض أنّ إله يهوذا هو الربّ الإله وحده. أرسل أشعياء إلى حزقيّا وأعلمه بأنّ الربّ قد سمع صلاته، وبأنّ الأشوريّين لن يدخلوا المدينة ولن يرموا إليها سهمًا واحدًا. هكذا انهزم سنحاريب ورجع إلى مدينته.

في الحدث الأوّل، عرف حزقيّا، منذ تملّكه على يهوذا، أنّ المحنة الحقيقيّة حدثت عندما ترك آباؤه الإله الحقيقيّ والتجأوا إلى آلهة أخرى، لذا سعى قبل كلّ شيء إلى تقديس الشعب وتوحيده حول إلهه الحقيقيّ. تمّ هذا الأمر عبر تعاضد الجميع: من الملك، والنبيّ أشعياء، إلى الكهنة، واللاويّين، والشعب. هؤلاء كلّهم، بتعاضدهم استعادوا اتّكالهم على الربّ وأعادوا العبادة الحقيقيّة إلى الهيكل. هكذا، تخطّى شعب يهوذا بقيادة ملكه حزقيّا أزمته بالتوبة والعودة إلى الربّ. أعادت هذه التوبة سكّان يهوذا إلى أنفسهم

فتحوّلوا من شعبٍ يبحث عن إلهٍ يحميه إلى شعبٍ يطلب العون من إلهه الحقيقيّ ويستكمل عهده مع الربّ.

في الحدث الثاني، لم يفقد حزقيّا الملك رجاءه بالربّ عند اشتداد المحن عليه بل بقي أمينًا لله واضعًا اتّكاله على الربّ وحده. هنا، لم يصنع الشعب كما صنع آباؤهم أيّام آحاز والد حزقيّا، حين تركوا الربّ عند أوّل محنةٍ واستنجدوا بآلهة غريبة، إنّما حافظوا على عهدهم مع الربّ.

إنّنا مدعوّون إذًا، نحن الذين تُحدق بنا الأزمات، إلى أن نصغي إلى صرخة حزقيّا الملك لمّا دعا شعبه إلى القداسة. فلنتقدّس الآن ونتب عن خطايانا وعباداتنا المزيّفة ونعد إلى حضن أبينا السماويّ كما فعل الابن الضالّ. هناك، لا بدّ من أن نلتقي، مهما تنوّعت اتّجاهاتنا وأفكارنا والتزاماتنا السياسيّة، في محبّة إلهنا. نحيا اليوم في زمنٍ لا تنتهي فيه المحن والأزمات. يبقى خيارنا إمّا أن نحزن وننوح كمن لا رجاء لهم، أو أن نلقي رجاءنا على الربّ ونسبّحه باستمرار كجماعة واحدة وهو يعولنا.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

لنتقدّس الآن!