...

كلمة الراعي المتلقّي الصّفعات والشّافي منها

يشعر البعض أنّ صفعات كثيرة موجعة قد توالت عليه في الآونة الأخيرة، بوتيرة لم تسمح له بأن يتنفّس الصعداء، فقد تنوّعت مصادرها ومسبّباتها، وخلّفت وراءها معاناة لا تطاق. تجدك أمام حالة من التذمّر والشكوى والضياع، وشعور بالخوف والقلق على الذات وعلى المصير. إنّها تجربة قاسية، يصعب على الكثيرين تحمّلها، خصوصًا في غياب استعداد كافٍ وإيمان قويّ. إنجيل الأحد الرابع من الصوم يرسم لنا طريقًا للمداواة من هذه الصفعات المؤلمة والوصول إلى المعافاة التامّة.

إذا تابعنا حادثة شفاء الابن الأخرس عن قرب، يمكننا أن نميّز خمس صفعات توالت. الصفعة الأولى هي عذاب الابن من «روح أخرس»؛ والثانية هي عجز التلاميذ عن مساعدته؛ والثالثة هي معاناة الوالد في رؤية ابنه معذّبًا من دون علاج؛ والرابعة هي الحقيقة التي كشفها المسيح بصرخته بشأن «الجيل غير المؤمن»؛ والخامسة هي الجمع الذي تراكض، ربّما ليتفرّج على مجريات الحدث المثير للاهتمام (مرقس ٩: ١٧-٢٥).

فمَن تلقّى هذه الصفعات الخمس يا تُرى؟ إنّه يسوع! فهو يحبّ خليقته والإنسان المخلوق على صورته، ويراه كيف يتخبّط في العذاب من دون أن يعرف تمامًا كيف يشفى. فكيف داواه يسوع؟ إليكم الخطوات الخمس التي يرسمها لنا الإنجيل. أوّلًا، يطلب أن يقدَّم إليه الابن المعذّب؛ ثمّ يدخل في حوار مع الوالد بشأن معرفة واقع ابنه؛ بعدها، يسبر استعدادات الوالد بشأن إيمانه بشفاء ابنه؛ ثمّ يأمر الروح الأخرس بالخروج من الصبيّ؛ وأخيرًا، يتوّج هذه الأفعال الأربعة بأن أمسك بيد الصبيّ المرميّ على الأرض وساعده على النهوض والاستواء معافى (مرقس ٩: ٢٠-٢٧).

لقد داوى يسوع الصفعات الخمس التي تلقّتها خليقته المعذّبة باستعماله خمسة مراهم ردّ بواسطتها الجمال والعافية اللذَين تستحقّهما. طيّب بكلّ مرهم أمرًا وعلّم الإنسان العليل كيف يسلك طريق المعافاة حتّى يصير صحيحًا. المرهم الأوّل هو الوقوف في حضرة الله، عبر خروج الوالد من التخبّط ومبادرته نحو الطبيب؛ أمّا المرهم الثاني فهو الصلاة، حيث يرفع المعذَّب (أو والده) إلى الطبيب حيثيّات واقعه الأليم ليسكب نوره عليه؛ بينما المرهم الثالث هو دخول الوالد مغامرة الإيمان والاتّكال على الله، ولو بدأ باعتراف مؤلم كهذا: «أؤمن يا سيّد، فأعنْ عدم إيماني»؛ أمّا المرهم الرابع فهو الثبات في الإصغاء إلى كلمة الله وقبولها من دون ريب، حتّى ولو ظهر أنّها أدّت بالواقع إلى حال أسوأ، كما حدث للصبيّ إذ «صرخ وصرعه (الروح) شديدًا وخرج فصار كميت»؛ وأخيرًا، المرهم الخامس، وهو أن يأخذ المرء من الآن فصاعدًا باليد الممدوة إليه لينهض من جديد ويبقى معافى.

لكنّ يسوع كانت تنتظره مهمّة أخرى، وهي أن يداوي معاونيه الذين أخفقوا بشكل مروّع في رسالتهم. بالحقيقة، كان انكسار تلاميذه كبيرًا أمام الجمع، لا بل أمام ذواتهم، خصوصًا بعد أن سبق فرأوا نعمة الله الفاعلة فيهم، وبواسطتهم بالأقوال والأفعال. لربّما ظنّوا أنّ النعمة تعمل بشكل آليّ. لكنّ يسوع ردّهم إلى المربّع الأوّل من مسيرة تلمذتهم: أن يتّبعوه هو، أي أن يقدّموا ذواتهم بالفعل إلى معلّمهم، فلا يتبجّحوا

بالنعمة المعطاة لهم، ولا يستقلّوا عن معطيها بحجّة ضرورات الخدمة، ولا ينسوا الأساس الذي تقوم عليه علاقتهم به. فأبجديّة التلمذة تبدأ بما كشفه جوابه القاطع عن سؤالهم، في عطاء الجسد بالصوم وعطاء النفس بالصلاة: «هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلّا بالصلاة والصوم» (مرقس ٩: ٢٩). فهكذا يصونون علاقتهم به ويحفظون النعمة المعطاة لهم؛ وهكذا ينتصرون على ذواتهم وعلى أشكال الشرّ في العالم؛ وهكذا يغلبون الشرّير وكلّ ألاعيبه.

هذا كلّه كان رأس جبل الجليد المنظور سواء من قبل التلاميذ أو من الجموع. أمّا بالنسبة إلى يسوع، فالمسألة لم تنتهِ هنا، فهي أعمق بكثير. أمامه مسيرة مضنية، وهي شفاء الإنسانيّة كلّها، وهو على استعداد لتلقّي كلّ الصفعات التي يكيلها له الشيطان أو الانسان من أجل خلاص هذا الأخير. أَليس هذا ما كشفه بقوله: «ابن الانسان يسلَّم إلى أيدي الناس فيقتلونه وبعد أن يُقتل يقوم في اليوم الثالث» (مرقس ٩: ٣١)؟

فهل يسوع غريب بعد اليوم عن واقعنا العامّ وواقعنا الشخصيّ المتمثّل بعجزنا، أو عدم إيماننا أو آلامنا؟ هل نستحقّ منه اليوم أن يُسمعنا صراخه العابر للأجيال: «أيّها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى أحتملكم؟»؟ هل نعترف باتّضاع ونطلب باستعطاف: «إن كنتَ تستطيع شيئًا فتحنّن علينا وأعنّا… أؤمن يا سيّد، فأعنْ عدم إيماني»؟ هل نبادر إلى أن نسأله، بعد انكسارنا، أن يعلّمنا كيف لا نخذله ولا نخذل أنفسنا ولا كنيستنا بعد اليوم: «لماذا لم نقدر نحن على أن نخرجه؟» (مرقس ٩: ١٩؛ ٢٢ و٢٨)؟

ليست خيبة الأمل هي ما دفعت يسوع إلى الخروج «من هناك» وأن «يجتازوا الجليل» من دون «أن يعلم أحد» (مرقس ٩: ٣٠). فهو يتابع عمله حتّى النهاية، حتّى يكتمل في كلّ واحد منّا. وهذا يتابعه حتّى يومنا الحاضر، خصوصًا في الظروف الحاضرة! هيّا بنا إذًا نلاقي يسوع كما نحن. فلنكشفْ له عجزنا ومعاناتنا؛ فلنَقبلْ انتهاره إيّانا ودعوته إلينا؛ فليصلحْ ما اعوجّ في الجسد والروح والخدمة؛ فليعلّمنا سبيل الإيمان والتلمذة؛ فليحتملْنا قليلًا بعد، فإنّنا نصرخ إليه في محنتنا، مع الكنيسة كلّها، والإنسانيّة جمعاء: «ربّي، أنتَ هنا، فاقبلْ صوت تضرّعي، واعترافي وضعفي؛ تلطّف على آبائي وإخوتي وأترابي؛ انظرْ بعين الرحمة والإشفاق على جبلتك؛ قدْنا إلى الإيمان الثابت بك؛ علّمْنا أن نكون معاونين لك مخلصين؛ أنهضْنا من اكتفائيّتنا وألمنا؛ باركْ بيمينك عمل يديك؛ أعطِنا أن نسبّح اسمك في كلّ آن وفي أيّ ظرف؛ فأنتَ الكلّ في الكلّ». آمين.

سلوان

متروبوليت جبيل والبترون وما يليهما

(جبل لبنان)

 

الرسالة: عبرانيّين ٦: ١٣-٢٠

يا إخوة، إنّ الله لمّا وعد إبراهيم، اذ لم يمكن أن يُقسم بما هو أعظم منه، أقسم بنفسه قائلًا: لأُباركنّك بركة وأُكثّرنّك تكثيرًا. وذاك إذ تأنّى نال الموعد. وإنّما الناس يُقسِمون بما هو أعظم منهم، وتنقضي كلّ مشاجرة بينهم بالقَسَم للتثبيت. فلذلك لمّا شاء الله أن يزيد وَرَثة الموعد بيانًا، لعدم تحوّل عزمه، توسّط بالقَسَم، حتّى نحصل بأمرين لا يتحوّلان ولا يمكن أن يُخلف الله فيهما، على تعزية قويّة نحن الذين التجأنا إلى التمسّك بالرجاء الموضوع أمامنا، الذي هو لنا كمرساة للنفس أمينة راسخة تدخل إلى داخل الحجاب حيث دخل يسوع كسابقٍ لنا، وقد صار على رتبة ملكيصادق رئيسَ كهنةٍ إلى الأبد.

 

الإنجيل: مرقس ٩: ١٧-٣١

في ذلك الزمان دنا إلى يسوع إنسانٌ وسجد له قائلًا: يا معلّم، قد أتيتُك بابني به روح أبكم، وحيثما أخذه يصرعه فيُزبد ويصرف بأسنانه وييبس. وقد سألتُ تلاميذك أن يُخرجوه فلم يقدروا. فأجابه قائلًا: أيّها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون عندكم؟ حتّى متى أحتملكم؟ هلمّ به إليّ. فأَتوه به. فلمّا رآه للوقت صرعه الروح فسقط على الأرض يتمرّغ ويُزبد. فسأل أباه: منذ كم من الزمان أصابه هذا؟ فقال: منذ صباه، وكثيرًا ما ألقاه في النار وفي المياه ليُهلكه. ولكن إن استطعتَ شيئًا فتحنّنْ علينا وأغثنا. فقال له يسوع: إن استطعتَ أن تؤمن فكلّ شيء مستطاع للمؤمن. فصاح أبو الصبيّ من ساعته بدموع وقال:

إنّي أؤمن يا سيّد، فأَغثْ عدم إيماني. فلمّا رأى يسوع أنّ الجمع يتبادرون إليه، انتهر الروح النجس قائلًا له: أيّها الروح الأبكم الأصمّ أنا آمرك بأنِ تخرج منه ولا تعُدْ تدخل فيه. فصرخ وخبطه كثيرًا وخرج منه، فصار كالميت حتّى قال كثيرون إنّه قد مات. فأخذ يسوع بيده وأنهضه فقام. ولمّا دخل بيتًا سأله تلاميذه على انفراد: لماذا لم نستطع نحن أن نُخرجه؟ فقال لهم: إنّ هذا الجنس لا يمكن أن يخرج إلاّ بالصلاة والصوم. ولمّا خرجوا من هناك اجتازوا في الجليل ولم يُرِدْ أن يدري أحد، فإنّه كان يُعلّم تلاميذه ويقول لهم: إنّ ابن البشر يُسلَم إلى أيدي الناس فيقتلونه، وبعد أن يُقتل يقوم في اليوم الثالث.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كلمة الراعي

المتلقّي الصّفعات والشّافي منها