اتّباع يسوع ليس نزهة عابرة. له متطلّباته من استعداد وإعداد وعَدْوٍ مستمرّ باتّجاه تحقيق الهدف. هو مفتوح على آفاق كبرى، تلك التي حدّثنا عنها يسوع وعمل من أجلها وحقّقها من أجلنا. إنّها مغامرة يأخذها على عاتقه مَن قرّر أن يكون تلميذًا ليسوع يتبعه في المسيرة، خادمًا له ولإخوته في الصيرورة، وشريكًا في التمتّع بالنتيجة.
يعدّد يسوع المتطلّبات الثلاثة لخوض مغامرة اتّباعه (مرقس ٨: ٣٤). العنصر الأوّل هو الاستعداد المطلوب من صاحب هذا القرار في «أن ينكر ذاته» كنهج حياة ملازم له؛ هذا معناه أن يواجه المرء الأنانيّة التي تتحكّم فيه بعيش مبادئ المحبّة، وألّا يحتكم إلى إرادته بل يطيّعها لإرادة الله. والعنصر الثاني هو الإعداد الصحيح للمسيرة على قاعدة «أن يحمل صليبه» ويتدرّب على تجسيد روحيّته يوميًّا بفرح بحسب ما يوصي الإنجيل. أمّا العنصر الثالث فهو العَدْو المستمرّ والذي غايته «أن يتبع» خطى المسيح ويسير في إثره حتّى النهاية، في حمل أثقال الآخرين، وفي معاونته في إيصال البشرى إلى أترابه، من دون أن يوفّر جهدًا أو تضحية في ورشة تجديد الخليقة والإنسان المخلوق على صورة الله.
بإزاء هذه المتطلّبات، تبرز مغريات قويّة لا بدّ لهذا التلميذ من التحلّي باليقظة في تمييزها، وبالعزم والإيمان لمواجهتها بشكل واعٍ. فهذه المغريات تأخذ من طبيعته الإنسانيّة الساقطة ومن العالم المخلوق منطلقاتها وحوافزها لتبتر انطلاقته في عيش الإيمان، وتَطَوّعه الصادق في جنديّة المسيح، وانخراطه الواعي في ورشة التجديد التي يحمل يسوع لواءها باسم أبيه السماويّ «من أجل حياة العالم» (يوحنّا ٦: ٥١). تقوم هذه المغريات على تضخيم الأنانيّة والشهوات عوضًا من تهذيبها، وإبراز جمال العالم المنظور وكأنّه غاية بحدّ ذاتها، وإخضاع حياة الروح لحياة الجسد، واستبدال الأولويّات الروحيّة باعتبارات ماديّة. باختصار، تقزّم هذه المغريات الإنسانَ وتختزله في بعده المادّيّ، وهو بدوره يقزّم الكون وقريبه إلى درجة اعتبارهما حديقة بيته الخلفيّة، أي يتصرّف بهما ومعهما على أساس ما يحلو له.
يستدرك يسوع هذا الواقع الإنسانيّ بطرحه السؤال: «ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟» (مرقس ٨: ٣٦)، ويدفع المرء إلى التأمّل في عاقبة سلوكه ومراجعة منطلقاته. في هذا الاتّجاه، يساعده على القيام بجردة حساب يقوّم فيها الربح والخسارة في حياته عبر استخدام ميزان خاصّ. إنّه ميزان المحبّة، محبّة التلميذ لله ومحبّته للقريب. هذا يعيشه، من وجهة نظر المسيح، بأن يعطي المرء حياته «من أجلي»، أي من أجل يسوع وخدمته، و«من أجل الإنجيل»، أي من أجل خدمة القريب ومعاونته إيّاه في ورشة خلاصه (مرقس ٨: ٣٥).
هنا تبرز صعوبة تتعلّق بالتصاق التلميذ بالمسيح التصاقًا نزيهًا، من دون رجعة ولا خجل. أَليس هذا ما قصده يسوع بتحذيره هذا: «مَن استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فإنّ ابن الإنسان يستحي به…» (مرقس ٨: ٣٨)؟ إنّه خطر انزلاقنا في المساومة والمهادنة والتماهي مع الاعتبارات
والمنطلقات التي تتحكّم في هذا «الجيل الفاسق الخاطئ»، فلا ننقل إلى أترابنا خبرتنا مع المسيح، تلك الخبرة التي سبق أن اختبرناها بنكران الذات وحمل الصليب واتّباعه. نرضخ لهذا الجيل من جديد، ولا نجرؤ على أن نسبح عكس التيّار العامّ، خصوصًا بعد أن نكون قد عرفنا حقيقة كلام يسوع فينا وكيف يحيينا. إلّا أنّ البعض منّا، أي الذين سينتصرون على هذه التجربة الأخيرة، سيكتشفون بالخبرة الشخصيّة، وهم بعد على قيد الحياة، الخلاصة التي يقدّمها يسوع: «إنّ من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتّى يروا ملكوت الله قد أتى بقوّة» (مرقس ٩: ١). مَن يَخُضْ مغامرة التلمذة للمسيح حتّى النهاية يَصِرْ مقرًّا للنعمة، وإنجيلًا حيًّا، وأيقونة لله، فيشفي ويهدي وينير ويقدّس ويبارك ويصلّي على الدوام. إنّه حليف لله حبيب. إنّه تلميذ يسوع بامتياز!
سلوان متروبوليت جبيل والبترون وما يليهما (جبل لبنان)
الرسالة: عبرانيّين ٤: ١٤-١٦ و٥: ١-٦
يا إخوة إذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات، يسوع ابن الله، فلنتمسّك بالاعتراف، لأنّ ليس لنا رئيس كهنة غير قادر على أن يرثي لأوهاننا بل مجرَّب في كلّ شيء مثلنا ما خلا الخطيئة. فلنُقبل إذًا بثقة إلى عرش النعمة لننال رحمة ونجد ثقة للإغاثة في أوانها. فإنّ كلّ رئيس كهنة متّخذ من الناس يقام لأجل الناس، فيما هو لله ليقرِّب تقادم وذبائح عن الخطايا في إمكانه أن يُشفق على الذين يجهلون ويضلّون لكونه هو أيضًا متلبّسًا بالضعف، ولهذا يجب عليه أن يُقرِّب عن الخطايا لأجل نفسه كما يقرِّب لأجل الشعب. وليس أحد يأخذ لنفسه الكرامة بل مَن دعاه الله كما دعا هرون. كذلك المسيح لم يُمجّد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذي قال له: «أنت ابني وأنا اليوم ولدتُكَ»، كما يقول في موضع آخر: «أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق».
الإنجيل: مرقس ٨: ٣٤-٣٨ و٩: ١
قال الربّ: من أراد أن يتبعني فليكفرْ بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأنّ مَن أراد أن يخلّص نفسَه يُهلكها، ومَن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها. فإنّه ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه، أم ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟ لأنّ من يستحيي بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ يستحيي به ابنُ البشر متى أتى في مجد أبيه مع الملائكة القدّيسين. وقال لهم: الحقّ أقول لكم إنّ قومًا من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتّى يروا ملكوت الله قد أتى بقوّة.